الكلمة الافتتاحية لقداسة البطريرك مار إغناطيوس أفرام الثاني في المجمع المقدس لعام 2025
تجدون في التالي كلمة إفتتاح المجمع المقدس العام قداسة مار اغناطيوس أفرام الثاني بطريرك أنطاكية وسائر المشرق والرئيس الأعلى للكنيسة السريانية الأرثوذكسية في العالم أجمع، والرئيس الفخري لمجلس كنائس الشرق الأوسط، المقر البطريركي - كنيسة السيدة العذراء مريم – العطشانة، بكفيا – 26 آذار/ مارس 2025.
«بَلْ كُونُوا كَامِلِينَ فِي فِكْرٍ وَاحِدٍ وَرَأْيٍ وَاحِدٍ»
(1 كورنثوس 1: 10 )
غبطة الأخ مار باسيليوس جوزيف مفريان الهند.
أصحاب النيافة الإخوة الأعزاء مطارنة الكنيسة السريانية الأرثوذكسية الأنطاكية
نرحب بكم جميعاً في هذا اللقاء المبارك الذي يمنحنا الفرصة الثمينة للبحث والتشاور في شؤون كنيستنا المقدسة ومسيرتها. في مستهل كلمتنا الافتتاحية، نتوجه بالشكر لله القدير الذي جمعنا في محبة ووحدة روحية، سائلينه أن يرسل روح حكمته ليقود مناقشاتنا وقراراتنا لما فيه خير الكنيسة ومجد اسمه القدوس.
o الترحّم على المثلث الرحمات المفريان مار باسيليوس توماس الأول
بعد شكر الرب نرفع الصلاة والابتهال إليه تعالى ترحمًا على روح مثلّث الرحمات المفريان مار باسيليوس توماس الأول، الذي انتقل من بيننا إلى الأخدار السماوية. نستذكر بمحبة وإجلال خدمته الطويلة وتفانيه في رعاية الكنيسة، لا سيما في الهند، حيث قاد شعب الكنيسة بإيمان وحكمة على مدى سنوات عديدة. لقد كان مثالًا للأسقف الراعي الأمين، كرّس حياته لنشر كلمة الإنجيل والحفاظ على التراث السرياني في بلاد المشرق. إننا نصلي أن يتغمّده الرب برحمته ويسكنه في فردوس النعيم مع القديسين والصديقين، جزاءً لما بذله في كرمة الرب من جهد وعطاء.
o الترحيب بالمفريان الجديد مار باسيليوس جوزيف
كما ويسرّنا أن نرحّب بحرارة بأخينا صاحب الغبطة المفريان الجديد مار باسيليوس جوزيف، الذي اختاره الروح القدس عبر الكنيسة ليخلف سلفه الراحل في خدمة مفريانية الهند. إننا نهنّئه على هذه الثقة التي أُوليَت له، ونصلّي كي يثبّته الرب بحكمته الإلهية في قيادة السريانية في الهند. ونؤكد دعم المجمع المقدس ودعمنا الشخصي الكامل له في رسالته السامية، سائلين الله أن يمنحه القوة والحكمة ليكون راعيًا صالحًا يقود القطيع إلى مراعي الخلاص، متابعًا إرث أسلافه ومجدّدًا العزيمة في خدمة الكنيسة في الهند.
o الترحيب بالمطارنة الحاضرين والصلاة لأجل المطارنة المتغيبين
نغتنم هذه المناسبة أيضًا لنعبّر عن ترحيبنا العميق وتقديرنا لحضور أصحاب النيافة المطارنة الأجلاء الذين لبّوا الدعوة وقدموا من شتى أصقاع العالم للمشاركة في مجمعنا المقدس. إن وجودهم بيننا اليوم هو علامة واضحة على وحدتنا في جسد المسيح وعلى اهتمامهم العميق بمسيرة الكنيسة ورسالتها. كما أننا لا ننسى أن نذكر بالصلوات الإخوة المطارنة الذين تعذّر عليهم الحضور لأسباب قاهرة، سواء كانت صحيّة أم رعوية أم غيرها. نرفع الدعاء إلى الله كي يحفظهم أينما كانوا ويمنحهم الصحة والقوة، ونأمل أن يجمعنا بهم قريبًا في مناسبات مقبلة لنواصل معًا خدمة الرب والكنيسة.
o الصلاة لأجل المطارنة المخطوفين مار غريغوريوس يوحنا إبراهيم والمطران بولس يازجي
في غمرة اجتماعنا هذا، نتوقف بخشوع وألم لنتذكر المطرانين المخطوفين مار غريغوريوس يوحنا إبراهيم والمطران بولس يازجي، اللذين لا يزال مصيرهما مجهولًا منذ اختطافهما قبل سنوات. إن غيابهما القسري عن كنيستهما وشعبهما يبقى جرحًا نازفًا في قلب الكنيسة السريانية وكل المسيحيين في الشرق. لقد كان المطران يوحنا غيوراً على رعيته ورائداً في الحوار ونشر المحبة بين الكنائس، ونستشعر فراغًا كبيرًا بغيابه. إننا نشترك بصوت واحد في رفع الصلوات الحارة إلى الله القادر على كل شيء من أجلهما. ونجدّد نداءنا باسم الكنيسة إلى كل أصحاب الضمائر الحيّة في العالم للعمل على كشف مصيرهما.
«بَلْ كُونُوا كَامِلِينَ فِي فِكْرٍ وَاحِدٍ وَرَأْيٍ وَاحِدٍ» (1كو 1: 10)
o كلمة روحية
في رسالته إلى أهل كورنثوس يشجّعنا القديس بولس الرسول قائلًا: «بَلْ كُونُوا كَامِلِينَ فِي فِكْرٍ وَاحِدٍ وَرَأْيٍ وَاحِدٍ» (1كو 1: 10). هذا النداء الرسولي يدعونا إلى وحدة القلب والفكر في خدمة المسيح. فالوحدة الحقيقية بين الخدّام لا تُبنَى على مجرّد الاتفاق الخارجي، بل على فضائل جوهريّة تُشَكِّل أساس الروحانية المسيحية. لنتأمّل في بعض الصفات الأساسية التي ينبغي أن يتحلّى بها الخدّام الأمناء للمسيح، لتحقيق هذه الوحدة المقدسة في الفكر والروح:
- التواضع: حجر الأساس في الخدمة المسيحية:
إن المسيح الإله أخلى ذاته وأخذ صورة العبد متجسّدًا، ليعلّمنا أن الخدمة الحقيقية تبدأ بانسحاق القلب. لذلك عندما نتضع كخدّام، يخدمنا الله بقوّته؛ كما نقرأ في سير القديسين والرعاة الصالحين الذين غلبوا قوة الشيطان بالتواضع ونكران الذات. هكذا إذاً ينبغي للخادم أن يكون أوّلًا وأخيرًا خادمًا متواضعًا، يضع في قلبه قول الرب: « كَذَلِكَ أَنْتُمْ أَيْضًا، مَتَى فَعَلْتُمْ كُلَّ مَا أُمِرْتُمْ بِهِ فَقُولُوا: إِنَّنَا عَبِيدٌ بَطَّالُونَ، لِأَنَّنَا إِنَّمَا عَمِلْنَا مَا كَانَ يَجِبُ عَلَيْنَا» ( لوقا 17: 10).
- المحبّة الأخويّة التي توحّد القلوب:
المحبة هي رباط الكمال (كولوسي 3: 14) وهي التي توحّد جسد الكنيسة الواحد. يعلّمنا الحكيم السرياني أفرهاط أن المحبة أساس الحياة المسيحية وكل الفضائل تبلغ كمالها فيها. ويشبّه أفرهاط الحكيم المحبّة بأنها عصب البناء الذي يربط حجارة الإيمان معًا، فيقول: «وُضع الإيمان على صخر البناء، أما المحبّة فهي عرّاقات البناء التي بها ترتبط جدران البيت. هكذا يسقط الإيمان إن وُجد في المحبة انقسام». فإذا غابت المحبة وانقسمت القلوب، انهار بناء الخدمة مهما بدا متينًا من الخارج.
- الخدمة غير المشروطة على مثال المسيح:
قدّم الرب يسوع بنفسه المثال الأسمى للخدمة المتفانية وغير المشروطة، عندما انحنى وغسل أرجل تلاميذه في العشاء الأخير. هذا العمل، الذي كان يقوم به عادةً أدنى الخدم منزلةً، فعله السيّد والمعلّم بكل حبٍّ واتضاع. ثم قال لهم: « فَإِنْ كُنْتُ وَأَنَا ٱلسَّيِّدُ وَٱلْمُعَلِّمُ قَدْ غَسَلْتُ أَرْجُلَكُمْ، فَأَنْتُمْ يَجِبُ عَلَيْكُمْ أَنْ يَغْسِلَ بَعْضُكُمْ أَرْجُلَ بَعْضٍ» (يوحنا 13: 14). من هنا نفهم أن الخدمة المسيحية الحقيقية لا تتقيّد بشروط أو باعتبارات بشرية؛ فهي عطاءٌ وبذل بلا حدود، على خطى من « لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ، وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ» (متى 20: 28).
- العمل بروح واحدة وثمر استنارة الروح القدس:
عندما نعمل كرعاة بروح واحدة، فإن وحدة الروح هذه هي علامة واضحة على حضور الروح القدس الذي يوحّد الكنيسة. يوصينا الكتاب: « مُجْتَهِدِينَ أَنْ تَحْفَظُوا وَحْدَانِيَّةَ ٱلرُّوحِ بِرِبَاطِ ٱلسَّلَامِ» (افسس 4: 3). فالروح القدس هو روح الوحدة والمحبة، يسكب في قلوب المؤمنين شعورًا عميقًا بأنهم جسد واحد في المسيح. لقد شهد يوم الخمسين لهذا الأمر حين « كَانَ ٱلْجَمِيعُ مَعًا بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ» (أعمال الرسل 2: 1). فحلّ عليهم الروح القدس وأشعل قلوبهم بنار واحدة. وعلامة امتلائنا من الروح اليوم ونحن مجتمعين معاً كرعاة للكنيسة المقدسة في جلسات هذا المجمع المقدس العام هي أن نعمل معًا بتناغم، مبتغين مشيئة الله فقط. إن روح الفريق الواحد في الخدمة يظهر عندما نصلي معًا، ونخطّط معًا، ونتعاون دون تحزّب أو انفرادية. فإذا اختلفت وجهات النظر، نرجع إلى الروح القدس في الصلاة طالبين إرشاده فنجد أنفسنا نلتقي في فكر المسيح الواحد. هذا الجو الروحي يولّد انسجامًا وفرحًا في الخدمة، إذ يعمل الكل كشخص واحد هدفه مجد الله وخلاص النفوس. وكما كانت كنيسة الأعمال الأولى قلبًا واحدًا، كذلك نحن مدعوون لنكون كنيسة حيّة اليوم متحدة في الروح والفكر، فتشرق فينا أنوار الروح القدس ويرى الآخرون في محبتنا ووحدتنا شهدًا حيًا لإنجيل المسيح.
إن التأمّل في وصية القديس بولس الرسول « بَلْ كُونُوا كَامِلِينَ فِي فِكْرٍ وَاحِدٍ وَرَأْيٍ وَاحِدٍ» يدفعنا إلى تنمية هذه الفضائل في ذواتنا. فحينما نتواضع مثل المسيح، ونحب بعضنا بعضًا كالإخوة، ونخدم بلا شروط، ونعمل بروح واحدة، عندها يشعّ وجه المسيح من خلال خدمتنا. سنرى ثمارًا روحية في أنفسنا وفي من نخدمهم: سلامٌ في قلوبنا، ووحدةٌ في كنائسنا، وشهادةٌ حيّة للإنجيل. لنطلب من الرب في صلواتنا كل يوم أن «يكمّل نقائص إيماننا» ويرسّخنا في هذه الفضائل.
إن الدعوة إلى الكمال في فكر واحد ورأي واحد تظهر جلياً من خلال تشاركنا في فهم هدف خدمتنا الأسقفية والعمل الدؤوب لتحقيق هذا الهدف:
أولاً: تمجيد اسم الله القدوس من خلال سيرتنا التي يجب أن تكون مثالاً صالحاً لأبناء الكنيسة.
ثانياً: التفاني في خدمتنا لرعيتنا التي وضعها الله أمانة في أعناقنا لنعمل من أجل خلاص النفوس وكسبها لملكوت الله. فننجح في خدمتنا ونرضي الله، ونصير بحقّ خدامًا أمناء يعملون بفكرٍ واحدٍ وقلبٍ واحدٍ لمجد اسم الثالوث القدوس، الآب والابن والروح القدس.
o الكنيسة السريانية بين الأمس واليوم
أيها الآباء الأحباء، إن الكنيسة السريانية الأرثوذكسية الأنطاكية تمتد جذورها عميقًا في تاريخ المسيحية، فهي كنيسة رسوليّة عريقة قامت على أساس متين وضعه الرسل والتلاميذ في أنطاكية حيث "دُعيَ التلاميذ مسيحيين أولًا" (أعمال 11:26). بالأمس، أنجبت كنيستنا أجيالًا من القديسين والمعلمين والآباء الروحيين الذين أثروا الإرث المسيحي العالمي، من أمثال مار إغناطيوس الأنطاكي الشهيد، ومار أفرام السرياني ملفان الكنيسة، وغيرهم كثيرون ممن أضاءوا بتعاليمهم وفضائلهم درب الإيمان. حافظت الكنيسة عبر القرون على إيمانها المستقيم وتعاليمها الأصيلة رغم ما واجهته من اضطهادات وتحديات، فكانت دائمًا الشاهدة الأمينة للمسيح والقادرة بقوة الروح القدس على النهوض بعد كل ضيق. أما اليوم، فإن الكنيسة السريانية تواصل مسيرتها المباركة حاملة مشعل الإيمان نفسه في عالم متغيّر سريع الإيقاع. لقد انتشر أبناؤها في أرجاء المعمورة، حاملين معهم إيمانهم السرياني وتقاليدهم المقدسة أينما حلّوا. ومع تغير الظروف وتعقّد التحديات، تبقى رسالتنا الجوهرية ثابتة: إعلان بشارة الخلاص وخدمة الإنسان بمحبة المسيح. إن اجتماعنا اليوم هو دليل حيّ على أن الكنيسة السريانية حية وحاضرة، تجمع بين أصالة الماضي ومتطلبات الحاضر، وتسعى بتوجيه من الروح القدس إلى رسم معالم مستقبل مشرق لأبنائها وللمؤمنين كافة.
o الكنيسة السريانية في الهند
لا يمكننا عند الحديث عن كنيستنا السريانية اليوم إلا التوقف بإجلال أمام حضورها التاريخي والمستمر في الهند. فمنذ أن بزغ نور الإيمان في تلك البلاد على يد الرسول مار توما، نمت هناك كنيسة حيّة ترتبط روحًا وعقيدةً بكرسي أنطاكية السرياني الأرثوذكسي المقدس. إن الكنيسة السريانية في الهند تمثّل جزءًا أساسيًا وغنيًا من تراث كنيستنا المقدسة الرسولية، حيث يزدان تاريخها بصفحات من الشهادة للمسيح والخدمة المتفانية للشعب المؤمن. واليوم، إذ نرحّب بالمفريان الجديد على رأسها، نجدّد التأكيد على أهميتها الكبيرة والتزامنا الدائم بدعمها. سنواصل الوقوف إلى جانب أبنائنا في الهند عبر الصلاة والتعاون والعمل معاً، لتبقى الكنيسة هناك متألقة وقادرة على مواجهة التحديات الصعبة التي تواجهها.
o الكنيسة السريانية في بلدان الانتشار
لقد شاءت العناية الإلهية أن ينتشر أبناء الكنيسة السريانية في العقود الأخيرة في أصقاع مختلفة من العالم، حاملين معهم كنز إيمانهم وتراثهم الروحي إلى بلدان الانتشار. ففي أوروبا والأمريكيتين وأستراليا وغيرها، تنمو اليوم رعايانا السريانية، مشكلة جسورًا روحية بين الشرق والغرب. إن وجود الكنيسة السريانية في المهجر يشكّل علامة رجاء وإشعاع، إذ يجسّد قدرة تراثنا على التأقلم والإثمار في تربات ثقافية متنوعة مع الحفاظ على جوهره. ومع أن الاغتراب يحمل تحديات عديدة – من الحنين إلى الوطن الأم إلى صعوبة الحفاظ على اللغة والتقاليد عبر الأجيال – إلا أننا نرى أبناءنا المغتربين وبكل فخر واعتزاز يبذلون جهودًا مخلصة لإنشاء الكنائس والمراكز الرعوية، وتعليم اللغة السريانية، ونقل تقاليدنا المقدسة إلى أبنائهم كجزء حيّ من جسد الكنيسة السريانية الأرثوذكسية الأنطاكية ورسالتها. ونحن نثني على هذه الجهود التي يقودها أخوتنا المطارنة في هذه البلدان ونصلي من أجل نجاحها.
o الكنيسة السريانية والتحديات الوجودية في الشرق الأوسط
رغم انتشار كنيستنا في العالم، يبقى الشرق الأوسط مهدها التاريخي حيث وُلدت ونمت. ولكن منطقتنا اليوم تواجه تحديات وجودية خطيرة تؤثر في جميع أبنائها وبشكل خاص على الوجود المسيحي فيها.
o سوريا: لا تزال الكنيسة في سوريا تعيش آثار سنوات الحرب والصراع التي عصفت بالبلاد. لقد تراجع عدد أبنائنا بسبب الهجرة والنزوح بحثًا عن الأمان والكرامة المعيشية، فيما يعاني من تبقّى من صعوبات الحياة اليومية وانعدام الاستقرار الاقتصادي. ومع ذلك، تظل كنائسنا في سوريا منارات إيمان ورجاء، تواصل تقديم الخدمة الروحية والاجتماعية بشجاعة، وتثبّت المؤمنين على أرض الآباء والأجداد. إن المتغيرات الأخيرة في سوريا تفتح صفحة جديدة نأمل أن يشترك كل أبناء سوريا بكتابتها، ولكنها تبقى محفوفة بالمخاطر الداخلية والخارجية، وكأبناء سوريا ومكون أساسي وأصيل موجود فيها منذ بداية التاريخ نرى أن مستقبل هذا البلد العزيز هو تمكين كل أبنائه من العمل معاً من أجل إعادة بنائه وازدهاره، وذلك في ظل دولة مدينة تحترم التنوع الديني والعرقي والثقافي، وتوظيف هذا التنوع في تمتين الوحدة الوطنية، والحفاظ على الوحدة الجغرافية لكل سوريا. نصلي أن يعمّ السلام أرض سوريا وأن يتمكن أبناء كنيستنا هناك من الثبات في أرضهم والمساهمة في نهضة مجتمعهم.
o لبنان: يعيش لبنان في السنوات الأخيرة تحت وطأة أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة تركت أثرها العميق على جميع المواطنين بمن فيهم أبناء كنيستنا. إن الظروف المعيشية الصعبة وندرة الموارد دفعت بالكثيرين إلى الهجرة طلبًا لحياة كريمة، ما يهدد بتناقص الوجود المسيحي التاريخي في هذا البلد الذي لطالما كان موئلًا للتعددية والازدهار الثقافي. ورغم هذه المحنة, فإن كنائسنا في لبنان تبذل جهدًا استثنائيًا لخدمة الأكثر احتياجًا وللحفاظ على شعلة الإيمان مضيئة في قلوب المؤمنين. ومع شعورنا بالألم الكبير لما حلّ في لبنان من قتل ودمار بسبب العدوان الإسرائيلي عليه. إننا نستبشر خيراً بالتطورات السياسية الأخيرة من انتخاب رئيس للجمهوية وتشكيل حكومة جديدة تعمل على النهوض بلبنان من خلال الاستفادة من مواهب وإمكانيات كل أبنائه بما فيهم من يسمى بالأقلية. نصلي من أجل استقرار لبنان وانفراج أزمته، واثقين بأن العناية الإلهية قادرة أن تنتشل الوطن من ضيقه ليعود بلد الرسالة كما كان.
o العراق: تحمل الكنيسة في العراق على كتفيها تاريخًا مجيدًا امتزج بالآلام والمعاناة خلال العقود الأخيرة. فالحروب المتعاقبة وأعمال العنف – ولا سيما حقبة الإرهاب الأسود الذي جسّده تنظيم داعش – أفرغت العديد من البلدات والقرى من أبنائها الأصليين. تكبّدت كنائسنا هناك خسائر جسيمة في البشر والحجر، فهُجّر المؤمنون ودُنّست المقدسات. لكن بالرغم من ذلك، فإن جذور الإيمان بقيت حيّة في أرض الرافدين. بدأ بعض المهجّرين بالعودة وإعادة بناء ما تهدّم، ولا تزال الكنيسة تعمل كالأم الحنون، ترافق أبناءها بالعزاء والرجاء، وتسعى بالتعاون مع أصحاب الإرادة الطيبة إلى إعادة إعمار ما تهدّم ماديًا وروحيًا. إننا نصلي ليمنح الرب العراق وأهله سلامًا ثابتًا، ويعضد كل جهد مخلص لإحلال الوئام وإعادة اللحمة بين أبناء الوطن الواحد.
o القدس والأراضي المقدسة: تحتل كنيسة القدس مكانة خاصة في قلوب المسيحيين عمومًا والسريان خصوصًا، فهي أرض ربنا يسوع ومسرح الخلاص. ولكن القدس والأراضي المقدسة عانت في الفترات الأخيرة من دوامة عنف وحروب تركت جراحًا عميقة في نفوس جميع سكانها. لم تسلم الجماعات المسيحية الصغيرة هناك من تبعات النزاع، فتكبّدت هي أيضًا نصيبها من الخوف والخسارة والهجرة. إننا نتألم لمعاناة جميع الأبرياء في تلك الأرض المقدسة، ونصلّي من أجل إنهاء دوامة العنف وتحقيق سلام عادل وشامل يحفظ حقوق الجميع وكرامتهم. كما نجدد التشديد على أهمية الحفاظ على الوجود المسيحي العريق في القدس، لكي تستمر أجراس كنائسنا تصدح ووجوه المؤمنين تشع بإيمان الرجاء في مدينة القيامة.
o التحديات الإيمانية والأخلاقية التي تواجه الكنيسة اليوم
إلى جانب التحديات الخارجية، تواجه الكنيسة جمعاء في عصرنا الحديث تحديات إيمانية وأخلاقية ذات طابع عالمي. فالعلمنة المتطرّفة وانتشار الإنحلال الأخلاقي والتراخي الروحي تشكّل عائقًا أمام حياة الإيمان المستقيمة. نجد أنفسنا أمام مجتمعات تتسارع فيها التقنيات والابتكارات، ولكنها أحيانًا تهمل القيم الروحية والإنسانية الأساسية. الكثير من الشباب يتعرضون لتأثيرات تيارات فكرية وإيديولوجيات جديدة قد تبعدهم عن إيمانهم أو تربك هويتهم الروحية والأخلاقية. إضافةً إلى ذلك، هناك تحديات متعلقة بتفكك الأسرة، وضعف الالتزام الديني، وشيوع الفردية والاستهلاكية التي قد تجعل الإنسان منغلقًا على ذاته وغافلًا عن حاجات أخيه. جميع هذه الظواهر تمثّل نداءً للكنيسة كي تعيد التفكير في أساليبها الرعوية والتربوية، وتجدّد النهج في تعليم الإيمان وتثبيت القيم الإنجيلية في نفوس المؤمنين من مختلف الأعمار.
o دور الكنيسة في مواجهة التحديات
إن الكنيسة مدعوّة أكثر من أي وقت مضى إلى القيام بدور نبوي وفاعل في مواجهة تلك التحديات التي تعصف بمجتمعنا المعاصر. عليها أن تكون نورًا يهدي في الظلمة وملحًا يعطي العالم نكهة الإنجيل. ويتجلّى دور الكنيسة على أصعدة عدة: فعلى الصعيد الروحي، تذكّر الكنيسة أبناءها دوما بأن الاتكال على الله والثبات في الصلاة والأسرار المقدسة هو مصدر القوة وسط الضيقات. وعلى الصعيد الرعوي والاجتماعي، تعمل الكنيسة على تعزيز التضامن والمحبة الفاعلة، فتقيم المؤسسات التربوية والصحية والاجتماعية لخدمة الإنسان ككل، ولا سيما الضعيف والمهمش. كما تلتزم الكنيسة برفع الصوت بالحق والدفاع عن العدالة وكرامة الإنسان في كل مكان، متعاونةً في ذلك مع كل أصحاب النوايا الحسنة. ولئن كانت التحديات كبيرة، إلا أننا واثقون بأن نعمة الله تعمل في كنيسته لتكون دومًا سفينة خلاص تقود المؤمنين بثبات نحو ميناء الأمان.
o دور الرعاة (الأساقفة والكهنة) في عالم اليوم
في خضم هذه التحولات والتحديات، يبرز دورنا اليوم كرعاة من أساقفة وكهنة كعامل حاسم في مسيرة الكنيسة. إن الأسقف والكاهن ليسا مجرد إداريَّين أو قائمين على شعائر طقسية فحسب، بل هما قبل كل شيء أبٌ وراعٍ روحي يقتدي بالمسيح الراعي الصالح الذي يبذل نفسه عن الخراف. إن رسالتهما اليوم تستوجب اتحادًا وثيقًا بالمسيح ومحبته المتجلية بالتواضع، لكي يتمكنا من قيادة المؤمنين عبر أمواج العصر المضطربة إلى بر الأمان. فعلينا أن نكون مثالًا حيًّا للقداسة والالتزام، نظهر ثمار الروح في حياتنا وسلوكنا اليومي، لنكون بذلك شهادة مقنعة للمؤمنين وللعالم. كما يُطلب منا السهر الدائم على نقاوة التعليم وصحته، مغذّين رعايانا بكلمة الله الصحيحة وننقل إليهم وديعة الإيمان دون تحريف أو مساومة. وإلى جانب التعليم، يجب أن نكون قريبين من شعبنا، نشاركهم أفراحهم وأحزانهم، نصغي إلى همومهم، ونواكب حاجاتهم الروحية والمادية. بهذا فقط تستطيع الخدمة الروحية أن تلامس القلوب وتُثمر، إذ يشعر المؤمنون أن راعيهم هو حقًا الأب الساهر على خير أبنائه، فينمو جوّ الثقة والمحبة المتبادلة في جماعة المؤمنين.
o التراث الآبائي والكنسي السرياني الأنطاكي
على مرّ العصور، ورثنا في كنيستنا السريانية الأنطاكية تقليداً آبائيًا وكنسيًا بالغ الغنى والعمق. هذا التقليد هو هبة الآباء القديسين ومعلمي الكنيسة الذين دوّنوا بإلهام الروح القدس كنوز الحكمة والتقوى في مؤلفاتهم وصلواتهم وأناشيدهم الطقسية. إن اللغة السريانية ذاتها، لغة السيد المسيح ورسله، هي وعاء لهذا التقليد وواسطة تنقل لنا عبق الإيمان الأصلي عبر القرون. لقد ورثنا ليتورجيات وصلوات وأناشيد تعبّر عن إيماننا المستقيم وتجسّد روحانية كنيستنا المشرقية، كما ورثنا تفاسير الكتاب المقدس وتعاليم عقائدية واضحة صاغها آباؤنا لمجابهة البدع وحفظ وديعة الإيمان نقية. ومن واجبنا اليوم أن نحافظ على هذا التقليد الرسولي السرياني الأنطاكي العريق، لا كذكرى جامدة من الماضي، بل كرؤية حيّة توجه حاضرنا ومستقبلنا. إن التمسك بالتقليد الرسولي وتعاليم الكنيسة الأرثوذكسية التي تسلّمناها جيلًا بعد جيل هو صمام أمانٍ لهويتنا وإيماننا، يحمينا من الانجراف وراء كل ريح تعليم غريب، ويثبّت أقدامنا على صخرة الإيمان القويم. ومن الضروري جداً جعل هذا التراث الغني متاحاً ونشره بكافة الوسائل لمنفعة أبناء الكنيسة وخاصة الشباب منهم.
o التأكيد على هوية الكنيسة السريانية
إن هوية كنيستنا السريانية هي كنز ثمين ينبغي أن نعتز به ونحفظه بعناية في زمن العولمة والتشتت. هذه الهوية تتجسد في لغتنا السريانية المقدسة، وفي طقوسنا المتميزة، وفي تقاليدنا الروحية العريقة، وأيضًا في شهادتنا المستمرة للمسيح عبر التاريخ حتى يومنا هذا. نحن سريان أنطاكيون أرثوذكس، جمعنا الإيمان الواحد رغم اختلاف الأوطان والثقافات واللغات الدارجة. وإذ نحيا اليوم في مجتمعات متنوعة المشارب، علينا أن نحرص ألا تذوب معالم هويتنا الخاصة، بل نغني بها الكنيسة الجامعة والمجتمع الإنساني ككل. إن تأكيد هويتنا لا يعني انغلاقًا أو تعصبًا، بل هو تثبيت للجذور التي تمنح الشجرة حياتها وثباتها حتى تتمكن من أن تعطي ثمارًا يانعة. ومن هذا المنطلق، نشدّد على أهمية تعليم اللغة السريانية للأجيال الناشئة في كل مكان، والحفاظ على طقوسنا وتعاليمنا الأصيلة، لكي يبقى تقليد أبائنا حيًا فينا، ونظل أمناء للصورة التي أرادنا الرب عليها كشعب يشهد لهوية خاصة ضمن جسد المسيح الواحد.
o الذكرى 1700 سنة لمجمع نيقية المسكوني الأول
يطل علينا هذا العام حدث تاريخي وإيماني هام يتمثل في مرور 1700 سنة على انعقاد مجمع نيقية المسكوني الأول عام 325م. في ذلك المجمع اجتمع آباء الكنيسة من المسكونة كلها ليصوغوا قانون الإيمان النيقاوي، الذي نردده حتى اليوم في كل قداس واحتفال كنسي. إن كنيستنا السريانية التي شاركت في ذلك الإرث المسكوني المجيد تفتخر بكونها أمينة لتعاليم ذلك المجمع ولقانون إيمانه الذي يعلن حقيقة الثالوث الأقدس وألوهية الابن. وإذ نحتفل بهذه الذكرى، فإنما نستذكر وحدة الكنيسة الجامعة في القرون الأولى حول حقائق الإيمان الأساسية، ونستمدّ العزم على مواصلة الشهادة لتلك الحقائق عينها في زمننا الحاضر لنكون على مثالهم: « كَامِلِينَ فِي فِكْرٍ وَاحِدٍ وَرَأْيٍ وَاحدٍ» (1كو 1: 10). إن روح مجمع نيقية، بروحانيته وتركيزه على نقاء العقيدة، يجب أن يظل منارة تهتدي بها كنائسنا اليوم في مجابهة تيارات التشكيك والتشويه للعقيدة المسيحية. لذلك نرى في هذه المناسبة دعوة إلى تعميق فهم الإيمان وتعليمه بصورة أصيلة في رعايانا، وإلى العمل الحثيث لأجل وحدة المسيحيين المستندة إلى الحقائق الإيمانية التي أُعلنت في نيقية واستمرت الكنيسة جمعاء تحفظها عبر الأجيال.
أيها الإخوة الأحباء، إن الكلمات قد تطول والقضايا التي تهم الكنيسة عديدة، ولكن أختم كلمتي الافتتاحية بتجديد دعوة القديس بولس الرسول لنكون: « كَامِلِينَ فِي فِكْرٍ وَاحِدٍ وَرَأْيٍ وَاحدٍ» (1كو 1: 10) بالإيمان والرجاء والمحبة في قلوبنا جميعًا. لنرفع الشكر للرب الذي جمعنا، ولنسأله بإلحاح أن يرافق اجتماعاتنا وقراراتنا، فنحقق مشيئته المقدسة في كل ما نصنع. نضرع إليه تعالى أن يجعل من مجمعنا هذا ينبوع بركة لحياة الكنيسة السريانية الأرثوذكسية الأنطاكية، وأن يمنحنا نعمة الوحدة والوفاق ومحبة بعضنا لبعض بصدق. ولنذكر دائمًا أن الكنيسة هي كنيسة المسيح، وهو رأسها وحاميها إلى الأبد، فلا تفزعنا التحديات مهما عظُمت، لأن وعده الإلهي ثابت: « وَأَنَا أَقُولُ لَكَ أَيْضًا: أَنْتَ بُطْرُسُ، وَعَلَى هَذِهِ ٱلصَّخْرَةِ أَبْنِي كَنِيسَتِي، وَأَبْوَابُ ٱلْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا» (متى 16:18). فلتكن هذه الثقة مصدر قوتنا فيما ننطلق في أعمال مجمعنا، مبتهلين إلى الرب أن يقودنا بنعمته إلى ما فيه خير كنيسته المقدسة وبنيان شعبه المؤمن، وله المجد إلى الأبد، آمين.
هذا الكلمة نشرت على صفحة قداسة البطريرك مار إغناطيوس أفرام الثاني على موقع فيسبوك.