العلم بين عظمة الخالق وخطايا الخليقة

د. ميشال أ. عبس

الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط

غدا يبدأ الأسبوع الدولي للعلم والسلام، وقد احتفل به لأول مرة في عام 1986 كجزء من الاحتفال بالسنة الدولية للسلام.

وعلى أثر نجاح ذلك، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة "الأسبوع الدولي للعلم والسلام" كمناسبة تتكرر في شهر تشرين الثاني/نوفمبر من كل عام وتضطلع بدور المساهمة في تعزيز السلام.

وحسب صفحة الأمم المتحدة المخصصة لهذه المناسبة، فان دور هذا الأسبوع هو التشجيع على التبادل الأكاديمي وتحسيس الناس على العلاقة بين العلم والسلام، مع التركيز على التعاون بين تطبيقات العلم لتعزيز السلام كما على العلاقة بين التقدم الحاصل في العلوم والتكنولوجيا وصون السلم والأمن في العالم.

اما بالنسبة الى سنة 2023، فان الفعاليات تتمحور حول موضوع بناء الثقة في العلوم حيث تذكر صفحة الأمم المتحدة المخصصة لهذا الموضوع انه " لا يمكن تفعيل دور العلم في تشكيل مستقبلنا الجماعي إلا عندما تكون هناك ثقة فيه" وتعتبر ان الثقة بالعلم هي المدخل الى الرد على التحديات التي يواجهها عالمنا. ولكن، حسب نفس الموقع الالكتروني، فان بناء الثقة بين العلم والمجتمع ليست بالأمر اليسير على ضوء أسئلة كثيرة حول منهجيات العلماء وثقة المجتمع بهم.

من المهم جدا بناء الثقة بين العلم والعلماء من جهة، والمجتمع الإنساني من جهة أخرى. ولكن التجارب الإنسانية الحديثة لا تشجع على ذلك.

في بداياته كان البحث العلمي من انتاج مفكرين ومثقفين وعلماء أرادوا ان يمجدوا الرب عبر سبر غور خلقه واكتشاف آليات عملها وإيجاد الحلول لمشاكلها بعيدا عن أي توجه مادي او توق نحو السيطرة او الدمار. اما اليوم فان المقاربات قد تغيرت ونجد ان البحث العلمي قد أصبح مدى يحتوي على علماء ومختبرات ومشاريع، جزء منها يوصف بالنبيل والصالح وجزء آخر يمكن نسبة الجشع والاجرام اليه. من هنا ازمة الثقة بين العلم والناس.

المختبر الذي ينتج اللقاحات والعقاقير وكل ما يؤول الى تجويد حياة الانسان، نجد مقابله مختبرا ينتج الأسلحة الكيماوية ومواد الفتك والقضاء على البشرية.

العالم الذي يعمل ليل نهار على تخفيف آلام البشرية، قد نجد مقابله عالما يعمل على القضاء على البشرية.

مقابل كل التكنولوجيا التي اجترحتها العقول النيرة النبيلة من اجل تطوير حياة الانسان، نجد التكنولوجيا التي انتجتها العقول والنفوس المريضة من اجل تحويل حياة الانسان الى جحيم.

هل هناك رقابة كافية على المختبرات ومراكز الأبحاث؟ هل هناك شفافية في الإنتاج العلمي، اكان في مجال العلوم الإنسانية او العلوم الدقيقة؟

تظهر لنا الأيام تدريجيا ان هناك مجال، لا بل مجالات، للشك بالعلوم التي بقدر ما تخبئه لنا من مفاجئات جميلة، فإنها قد تفاجئنا يوما بما لا ينفع الإنسانية وقد يؤدي بها الى الهلاك.

نعم، بناء الثقة بين العلم والناس ضروري، ولكن على الدول والجامعات ومراكز الأبحاث والمختبرات ان تثبت لنا انه يمكن للإنسان ان يثق بما يجري انتاجه خلف الأبواب الموصدة.

للأسف، فبقدر ما خلق لنا الباري كل الجمال الذي ننعم به، خَلقنا نحن كل اشكال القباحة التي قد تؤدي بنا الى البؤس.

مقابل عظمة الخالق وكرمه، ها نحن نرتكب الخطايا، وبعضها لا تحمد عقباها.

Previous
Previous

الرَّبُّ يُحارِبُ عنكُم وأَنتُم هادِئون

Next
Next

مجلس كنائس الشرق الأوسط يصدر النسخة العربيّة من كتيّب "أسبوع الصلاة من أجل وحدة المسيحيين" 2024